محمود توفيق محمد سعد
281
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وعجيب أن الردة الباطنة دل عليها بالعبارة ، والردة الظاهرة دلّ عليها بأداء العبارة ( فك الإدغام ) وفي اشتراط الردة الباطنية لإحباط العمل والدلالة عليها بطريق العبارة فتح باب العفو لمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ، فهو مما أكره على ارتداد ظاهري لم يجمع إليه ارتدادا باطنيا . أما آية ( المائدة ) فقد كانت في سياق النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ( الآية : 51 ) وعدم الصبر على البلاء ( الآية : 52 ) فجاءت الآية ( 54 ) مشيرة إلى أنّ اللّه عزّ وجلّ قد يعاقب على الارتداد الباطني المشار إليه برواية ( الإدغام ) والارتداد الظاهري المشار إليه برواية ( الإظهار ) بالإتيان بقوم يحبهم ويحبونه ، وهذا فيه من التهديد العظيم ما تنخلع له قلوب الفاقهين . ولو أن الرواية جاءت بوجه واحد من وجوه الأداء لكان في هذا إخلال بشروط العقوبة : تحقيق الارتداد بأحد وجهين ، فليست العقوبة متوقفة على اجتماع الشرطين معا في وقت واحد بل تحقيق أحدهما قد يترتب عليه العقاب : الإتيان بقوم يحبهم ويحبونه وثمّ إشارة أخرى : الإدغام هنا مشير إلى أنّ الصبر الذي لم يحرص عليه من تحدثت عنه الآية ( 52 ) إنّما هو أرفع درجة من الارتداد الظاهري باللسان . علينا ملاحظة الفرق بين جواب الشرط في ( البقرة ) وجوابه في ( المائدة ) : في ( البقرة ) حبوط عمل وذلك قاتل مبير ، وفي ( المائدة ) تبدل وإحلال قوم مكان قوم ، وهو وإن كان عند أهل العرفان عظيم إلا أنه من دون إحباط العمل ، فكان المشير إلى شرط جواب الشرط في ( المائدة ) بطريق الأداء ، وهي دلالة فيها شيء من خفاء لا يفقهها كثير من الناس ، وكان المشير إلى الشرط الرئيس لتحقق الجواب بطريق العبارة الصريحة . وهذا فيه من ضروب التناسب ما فيه . هذا ما كان " البقاعي " فانظر في صحبته ما قال شيخه " ابن الجزري " في النشر معللا فك الادغام اتفاقا في البقرة بقوله : " لأن طول البقرة يقتضي الاطناب وزيادة الحرف من ذلك ، ألا ترى إلى قوله تعالى ( ومن يشاقق اللّه ورسوله ) في الأنفال ( ي : 13 ) كيف أجمع